تقرير إخباري /
محمد عبدالهادي
طريق الصادرات.. الشريان الذي يعيد رسم معادلة الحرب والاقتصاد في السودان
في تطور ميداني يُعد من أبرز التحولات العسكرية خلال الأيام الأخيرة، أعلنت القوات المسلحة والقوات المساندة إحكام سيطرتها على طريق الصادرات الاستراتيجي الرابط بين أم درمان ومدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، عقب عمليات عسكرية امتدت إلى مناطق بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وأم قرفة وجريجخ.في خطوةٌ يرى مراقبون أنها لا تمثل مكسبًا عسكريًا فحسب، بل تحمل أبعادًا اقتصادية وإنسانية قد تنعكس على مجمل الأوضاع في البلاد.
ويُعد طريق الصادرات أحد أهم الطرق القومية في السودان، إذ يربط العاصمة الخرطوم بولايات كردفان ودارفور، ويشكّل الممر الرئيس لحركة الشاحنات المحملة بالماشية والصمغ العربي والحبوب الزيتية والمحاصيل الزراعية والسلع التجارية، إلى جانب دوره الحيوي في نقل الوقود والمواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى ولايات غرب السودان.
ولعقود طويلة، ظل هذا الطريق العمود الفقري لحركة التجارة بين العاصمة والأقاليم الغربية، كما اعتمدت عليه حركة الصادرات المتجهة إلى الموانئ والأسواق الداخلية، الأمر الذي جعله أحد أهم شرايين الاقتصاد السوداني.
لكن مع اندلاع الحرب، تعرض الطريق لانقطاعات متكررة بسبب المعارك، ما أدى إلى تعطيل حركة النقل وارتفاع تكاليف الشحن، وانعكس ذلك بصورة مباشرة على أسعار السلع ونقص الإمدادات في عدد من الولايات، فضلاً عن تعثر وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.
ولا تقتصر أهمية الطريق على الجانب الاقتصادي فحسب؛ فبحسب خبراء عسكريين، يمثل طريق الصادرات محورًا استراتيجيًا لحركة القوات وخطوط الإمداد. فالسيطرة عليه تمنح القدرة على تأمين انتقال القوات والعتاد بين الخرطوم والأبيض، وتعزيز عمليات الإسناد للقوات المنتشرة في كردفان، وفي المقابل تحد من قدرة الطرف الآخر على المناورة أو نقل الإمدادات عبر هذا المحور الحيوي.
وتزداد أهمية الطريق بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمدينة الأبيض، التي تُعد البوابة الرئيسة إلى إقليم دارفور، ومركزًا لوجستيًا يربط ولايات غرب السودان ببقية أنحاء البلاد. ومن ثم، فإن إعادة فتح الطريق تعني عسكريًا فك العزلة البرية عن المدينة، وتعزيز قدرتها على استقبال الإمدادات وتحريك القوات، بينما تمثل اقتصاديًا فرصة لاستعادة انسياب حركة البضائع تدريجيًا متى ما استقرت الأوضاع الأمنية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يتوقع مختصون أن يسهم استقرار الطريق في تقليل زمن الرحلات وخفض تكلفة النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية، ويعيد تنشيط حركة التجارة بين ولايات الوسط والغرب، فضلاً عن دعم صادرات الثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية، التي تمثل أحد الموارد الرئيسة للاقتصاد السوداني.
أما على المستوى الإنساني، فإن الطريق يمثل شريانًا أساسيًا لوصول المساعدات الغذائية والطبية والإغاثية إلى المناطق المتأثرة بالحرب، كما يسهم في تسهيل حركة المواطنين بين الولايات، وهو ما يمنحه أهمية إنسانية لا تقل عن أهميته العسكرية والاقتصادية.
وبينما تتواصل التطورات الميدانية، تبقى السيطرة على طريق الصادرات محطة بارزة في مسار العمليات العسكرية، لما تمثله من تأثير مباشر على حركة الإمداد والانتشار، وما تحمله من فرص لاستعادة النشاط الاقتصادي، وإعادة ربط ولايات غرب السودان بالعاصمة عبر واحد من أهم الشرايين الحيوية في البلاد.
ختامًا...
يبقى طريق الصادرات أكثر من مجرد طريق بري؛ فهو شريان الاقتصاد الوطني، ومحور تتقاطع عنده اعتبارات الأمن والتجارة والعمل الإنساني. ومن هنا، فإن استقرار هذا الطريق لن ينعكس على مسار العمليات العسكرية فحسب، بل قد يشكل نقطة تحول في استعادة حركة التجارة، وتحسين انسياب الإمدادات، وتعزيز التواصل بين أقاليم السودان، ليظل واحدًا من أهم المفاتيح المؤثرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.