تقرير إخباري
محمد عبد الهادي
البرهان يعلن ضمانات سياسية وقانونية لحماية المشاركين في الحوار السوداني
في خطاب بمناسبة الذكرى الثانية والسبعين لعيد القوات المسلحة،
أكد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، استمرار القوات المسلحة في القتال ضد مليشيا الدعم السريع، بالتزامن مع تأكيده أن الموقف العسكري لا يعني إغلاق الباب أمام المبادرات الجادة الرامية إلى تحقيق السلام.
البرهان أوضح أن الوصول إلى السلام، من وجهة نظر الحكومة، يبدأ بوقف القتال ووضع السلاح، وتجميع قوات الدعم السريع في مناطق محددة، وعودة المواطنين إلى مناطقهم، واستعادة الخدمات والتأمين والحماية، قبل النظر في أوضاع المقاتلين الذين لم تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم.
وفي تحول لافت على المسار السياسي، أعلن البرهان موافقته على تقديم حزمة من الضمانات للمشاركين في مبادرة وطنية تهدف إلى إطلاق حوار سوداني شامل، مؤكداً استعداد الدولة لتوفير الضمانات السياسية والقانونية والأمنية والدعم اللوجستي اللازم لتهيئة مناخ الحوار.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في أن البرهان شدد في الوقت نفسه على أن الدولة لن تكون الجهة المنظمة للحوار، ولن تحدد أطرافه أو أجندته أو مخرجاته، بما يحافظ ـ بحسب ما ورد في الخطاب ـ على استقلالية المبادرة وصدقيتها.
قراءة في الضمانات
الضمانات التي أعلن عنها البرهان تحمل بعداً قانونياً وسياسياً مهماً، خصوصاً أنها تتعامل مع إحدى أبرز العقبات التي يمكن أن تواجه أي حوار سياسي في ظل الحرب، وهي مخاوف المشاركين من الملاحقة القانونية بسبب مواقفهم أو آرائهم السياسية.
وفي هذا السياق، أوضح الخطاب أن وقف الإجراءات الجنائية السابقة بحق بعض المشاركين لا يعني العفو عنهم، وإنما يمثل وقفاً للإجراءات التي لم تصل بعد إلى أحكام قضائية بالإدانة.
كما أشار إلى أن هذه الحماية، في بعض الحالات، ستكون مؤقتة، ولا تعني إسقاط الحقوق الخاصة للأفراد أو الجهات التي لديها شكاوى أو حقوق قانونية، وإنما تهدف إلى توفير مساحة آمنة تمكن المشاركين من الجلوس إلى طاولة الحوار دون أن تشكل الإجراءات القانونية القائمة عائقاً أمام مشاركتهم.
أما الجانب الأكثر ارتباطاً بحرية الحوار، فيتمثل في الحصانة المقررة للآراء والمواقف التي يطرحها المشاركون داخل جلسات الحوار. وبحسب ما جاء في الخطاب، فإن هذه الحماية تمنع استخدام ما يطرح داخل جلسات الحوار من آراء أو مقترحات أو مواقف كأساس لاتخاذ إجراءات جنائية أو مدنية أو إدارية ضد أصحابها مستقبلاً.
وهنا تكمن أهمية الضمان القانوني؛ إذ إن الحوار، لكي يكون منتجاً، يحتاج إلى مساحة تسمح للمشاركين بطرح مواقفهم بحرية، بما في ذلك القضايا الخلافية، دون خشية من أن تتحول مداخلاتهم إلى أساس للملاحقة القانونية.
بين الحرب والحوار
ويأتي هذا الإعلان في وقت لا يزال فيه السودان يعيش تداعيات الحرب، الأمر الذي يجعل الجمع بين المسار العسكري والمسار السياسي أحد أكثر الملفات تعقيداً.
فالخطاب حمل رسالتين متوازيتين؛ الأولى عسكرية، تؤكد استمرار القوات المسلحة في القتال حتى إنهاء التمرد، والثانية سياسية، تؤكد عدم رفض المبادرات الساعية إلى السلام، شريطة ألا تقود ـ وفق رؤية البرهان ـ إلى إعادة من ارتكبوا الجرائم إلى السلطة أو منحهم مشاركة سياسية قبل معالجة قضايا الحرب والسلاح.
ومن الناحية السياسية، فإن دعم حوار سوداني تقوده قوى وشخصيات وطنية من خارج مؤسسات الدولة يمكن أن يفتح الباب أمام محاولة بناء توافق داخلي بعيداً عن المبادرات التي ارتبطت خلال الفترة الماضية بأطراف أو عواصم إقليمية ودولية.
البرهان ذهب في خطابه إلى ما هو أبعد من حماية المشاركين داخل جلسات الحوار، عندما تحدث عن ضرورة تهيئة مناخ عام تسوده الحريات، يسمح للمواطنين والقوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم غير المشاركين مباشرة في الحوار، بإبداء آرائهم بشأن القضايا المطروحة.
وهذه النقطة تمثل عنصراً أساسياً في أي عملية سياسية شاملة، لأن الحوار الوطني لا ينجح إذا تحول إلى اجتماعات مغلقة بين مجموعة محدودة من الأطراف، وإنما يحتاج إلى تفاعل مجتمعي أوسع مع القضايا المطروحة ونتائج النقاش.
كما أن فتح المجال أمام الآراء المختلفة يمكن أن يساعد في اختبار مدى واقعية أي توافق يتم التوصل إليه، ويمنح المخرجات شرعية مجتمعية أوسع.
تحديات أمام المبادرة
ورغم أهمية الضمانات التي أعلن عنها رئيس مجلس السيادة، فإن الطريق أمام الحوار لا يزال محفوفاً بتحديات كبيرة، أبرزها استمرار الحرب، والانقسام السياسي، وتعدد المبادرات والمنابر، فضلاً عن أزمة الثقة بين الأطراف السودانية
وبينما يؤكد البرهان أن القوات المسلحة ماضية في مسارها العسكري، فإن إعلانه الموافقة على توفير ضمانات سياسية وقانونية وأمنية للمشاركين في الحوار يمثل إشارة إلى استمرار البحث عن مسار سياسي موازٍ للحرب.
ويبقى الاختبار الحقيقي أمام هذه المبادرة في قدرتها على تحويل الإعلان السياسي إلى بيئة فعلية آمنة للحوار، وإقناع القوى السودانية المختلفة بأن الطاولة مفتوحة للجميع، وأن مخرجاتها ستكون سودانية المنشأ، بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
فالسودان، في ظل استمرار الحرب وتعقيدات المشهد السياسي والإنساني، لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، وإنما إلى عملية سياسية قادرة على معالجة جذور الأزمة، واستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، ووضع أساس لتوافق وطني يقود في نهايته إلى دولة مستقرة ومؤسسات حكم تستند إلى الإرادة الشعبية وسيادة القانون.