تعليق الإذاعة على الأنباء
إعداد: محمد عبدالهادي
العنوان: مزاعم السلاح الكيميائي وتزييف الحقائق
في ملف الحرب السودانية، لا تتوقف المعركة عند خطوط النار.
فإلى جانب المواجهات العسكرية، تدور معركة أخرى حول المعلومات والروايات، ومحاولات التأثير على الرأي العام.
وفي هذا السياق، برزت مجدداً مزاعم تتحدث عن استخدام أسلحة كيميائية في السودان، وسط موجة من التشكيك والرفض في الأوساط السودانية، وتساؤلات متزايدة حول مصادر هذه المعلومات، والأدلة التي تستند إليها.
الرواية المتداولة أثارت جدلاً واسعاً، خصوصاً بعد تداول صور قيل إنها توثق مواقع مرتبطة بالحادث المزعوم.
غير أن الصور نفسها أصبحت موضع تساؤل.
فملامح المبنى الظاهرة فيها، وطرازه المعماري، دفعت إلى طرح أسئلة حول مكان التقاطها، وما إذا كانت الصورة تعود بالفعل إلى السودان، أم أنها استُخدمت خارج سياقها الأصلي.
وهنا تبرز نقطة جوهرية:
الصورة وحدها لا تكفي لإثبات استخدام سلاح كيميائي، كما أن ملامح مبنى لا تكفي وحدها لإثبات أن الصورة التُقطت في دولة بعينها.
لكنها، في الوقت نفسه، تفرض سؤالاً مهنياً مشروعاً:
أين الدليل المستقل؟
في الملفات المرتبطة بالأسلحة الكيميائية، لا تكفي الروايات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الصور غير الموثقة، ولا الاتهامات السياسية المتبادلة.
المطلوب أدلة قابلة للتحقق، ومصادر مستقلة، وتحقيقات فنية تحدد طبيعة المادة المستخدمة، ومكان الواقعة، وزمانها، والجهة المسؤولة عنها.
وفي السودان، حيث تحولت الحرب إلى ساحة مفتوحة للحرب الإعلامية، أصبحت المعلومات غير الموثقة سلاحاً لا يقل خطورة عن السلاح التقليدي.
فالرواية التي تبدأ بصورة مجهولة المصدر، يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى «حقيقة» متداولة، قبل أن تُطرح الأسئلة الأساسية حول أصل الصورة، وسياقها، ومصداقية الجهة التي نشرتها.
ولهذا، فإن الجدل الحالي حول مزاعم السلاح الكيميائي لا ينبغي أن يُحسم بالانفعال، أو بالتراشق السياسي.
بل بالأدلة.
ومن حق السودانيين أن يعرفوا:
من أين جاءت الصور؟
أين التُقطت؟
من وثّق الواقعة؟
وما نتائج الفحص الفني المستقل؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، وإنما شروط أساسية للوصول إلى الحقيقة.
وفي الجانب السياسي من المشهد، تبرز أيضاً تساؤلات حول موقف دولة الإمارات العربية المتحدة، في ظل الاتهامات السودانية والدولية المتعلقة بدورها في دعم قوات الدعم السريع، وما أُثير في تقارير وتحقيقات دولية بشأن شبكات الإسناد المرتبطة بالحرب.
ومن هنا، يرى منتقدون أن تصعيد بعض الروايات والاتهامات المتعلقة بالسلاح الكيميائي قد يدخل، في حال ثبوت توظيفها سياسياً أو إعلامياً، ضمن معركة أوسع لتوجيه مسار النقاش الدولي بعيداً عن ملفات الإسناد الخارجي والمساءلة.
فالحقيقة لا تُبنى على الافتراضات، ولا تُثبتها الحملات الإعلامية.
وفي حربٍ تتداخل فيها المعارك العسكرية مع حملات التضليل، تبقى مسؤولية الإعلام أن يسأل، ويدقق، ويفصل بين الادعاء والحقيقة.
لأن السودان لا يحتاج إلى روايات جديدة تُضاف إلى ركام الحرب.
بل يحتاج إلى حقيقة موثقة، وأدلة مستقلة، ومساءلة عادلة.
الحقيقة لا تُصنع بالضجيج...
ولا تُثبتها الصور المجهولة...
الحقيقة تُصنع بالدليل.