تقرير إخباري
معرض الكتاب بقصر الثقافة بود مدني.. عودة الروح إلى المشهد الثقافي
إعداد : محمد عبد الهادي
من بين رفوف الكتب، وصفحات تحمل في طياتها المعرفة والتاريخ والفكر، تعود الحياة من جديد إلى قصر الثقافة بمدينة ود مدني، مع افتتاح معرض الكتاب الذي يمثل خطوة جديدة في طريق استعادة النشاط الثقافي بالمدينة، وإعادة الكتاب إلى موقعه الطبيعي في حياة المجتمع.
داخل أروقة قصر الثقافة، تتجاور عناوين وموضوعات مختلفة، في مشهد يعيد إلى الأذهان مكانة الكتاب الورقي، رغم التحولات الكبيرة التي فرضها انتشار الكتاب الإلكتروني وتغير عادات القراءة خلال السنوات الماضية.
المعرض افتتحه المدير التنفيذي لمحلية ود مدني الكبرى الأستاذ عادل الخطيب، بحضور وزير الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم، ووزير الصحة بالولاية الدكتور أسامة عبد الرحمن أحمد الفكي، ومدير عام هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة الأستاذ عبيد ميرغني عبيد، إلى جانب عدد من المهتمين والمثقفين.
ويأتي المعرض في إطار الاستعدادات والترتيبات الجارية لافتتاح الموسم الثقافي بولاية الجزيرة في أكتوبر المقبل، في خطوة تستهدف إعادة تنشيط المؤسسات الثقافية وفتح المجال أمام الفعاليات والمعارض والأنشطة التي تخاطب مختلف شرائح المجتمع.
مدير إدارة الثقافة الأستاذ صابر سعيد محمد سعيد، يرى أن استمرار معرض الكتاب لا يرتبط فقط بعرض الكتب وبيعها، وإنما يمثل تأكيداً على استمرار حضور الكتاب الورقي في وقت تواجه فيه القراءة التقليدية تحديات كبيرة بسبب التطور المتسارع في وسائل القراءة الإلكترونية.
ويقول إن الهدف من المعرض، الذي جاء بالتعاون مع دار المصورات، هو إعادة العمل بصورة فاعلة في مكتبة قصر الثقافة، وإشباع رغبات القراء وهواة المطالعة، وإتاحة مساحة تعيد للكتاب دوره في الحياة الثقافية والاجتماعية.
مكتبة قصر الثقافة، بحسب إدارة الثقافة، تضم أكثر من سبعة آلاف عنوان من الكتب المتنوعة والقيمة، وهو رصيد معرفي تسعى الجهات المختصة إلى المحافظة عليه وتطويره، إلى جانب رفده بإصدارات جديدة خلال المرحلة المقبلة.
وتتجه الولاية إلى تفعيل عدد من الشراكات في هذا المجال، من بينها التعاون مع دار الأوبرا في مصر، وجامعة الجزيرة، وحكومة الولاية، بهدف توفير المزيد من الكتب والإصدارات وتوسيع قاعدة المستفيدين من المكتبة.
ولأن عودة النشاط الثقافي تحتاج إلى بيئة مناسبة، فإن الجهود لا تتوقف عند إقامة معرض للكتاب، وإنما تمتد إلى إعادة تأهيل المؤسسات والبنيات التي تحتضن الفعل الثقافي.
المدير التنفيذي لمحلية ود مدني الكبرى الأستاذ عادل الخطيب أعلن دعم المحلية لإدارة قصر الثقافة، بالتعاون والتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام ووزارة المالية بالولاية.
وأكد أهمية إعادة تأهيل المكتبة العامة، حتى تعود إلى سيرتها الأولى، بعد ما تعرضت له من دمار خلال الحرب، باعتبارها واحدة من المساحات المهمة التي يمكن أن يجد فيها أهل ود مدني متنفساً للمعرفة والثقافة والاطلاع.
فالمكتبة العامة ليست مجرد جدران ورفوف وكتب، وإنما مساحة يلتقي فيها الطلاب والباحثون والقراء، ومكان تتشكل فيه علاقة الأجيال بالكتاب والمعرفة.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة فتح أبوابها واستعادة دورها، بالتزامن مع عودة النشاط الثقافي إلى المدينة.
وزير الثقافة والإعلام بولاية الجزيرة الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم، أكد بدوره أن الوزارة تعمل على تنشيط العمل الثقافي عبر إقامة المعارض والفعاليات المختلفة، مشيراً إلى الجهود المبذولة لتأهيل مسرح الجزيرة خلال الفترة القليلة المقبلة.
وأوضح أن البنيات الأساسية للعمل بقصر الثقافة قد اكتملت، بينما تتواصل الجهود لاستكمال عدد من الاحتياجات، من بينها توفير منظومة للطاقة الشمسية للقصر، بما يساعد على استقرار العمل واستمرار البرامج والأنشطة الثقافية.
ولم تقف خطط الوزارة عند حدود تأهيل المكان، بل امتدت إلى دعم المحتوى نفسه، من خلال ترتيبات لتوفير أكثر من سبعة آلاف كتاب جديد، لرفد مكتبة المجمع الثقافي بعناوين وإصدارات متنوعة وقيمة.
ومن المنتظر أن يتم افتتاح المكتبة بصورة رسمية خلال الأيام المقبلة، لتعود مرة أخرى إلى استقبال القراء والباحثين والطلاب وهواة المعرفة.
في ود مدني، لا يبدو معرض الكتاب مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل يحمل رسالة أوسع عنوانها استعادة الحياة الثقافية بعد ما خلفته الحرب من آثار طالت الإنسان والمكان والمؤسسات.
فالكتاب الذي ظل حاضراً رغم التحولات الرقمية، يجد اليوم فرصة جديدة ليعود إلى الواجهة، والمكتبة التي تعرضت للدمار تستعد لفتح أبوابها من جديد، وقصر الثقافة يستعيد تدريجياً دوره كمنصة للمعرفة والفنون والآداب.
وبين معرض للكتاب، ومكتبة يجري إعدادها لاستقبال القراء، ومسرح يستعد لاستعادة نشاطه، تتحرك ولاية الجزيرة نحو إعادة بناء المشهد الثقافي، مستفيدة من الشراكات والدعم الرسمي والمجتمعي.
إنها عودة تدريجية للحراك الثقافي في ود مدني، تؤكد أن إعادة الإعمار لا تعني تشييد المباني والطرق وحدها، وإنما تشمل أيضاً إعادة بناء الوعي، وإحياء المعرفة، وفتح النوافذ أمام الأجيال الجديدة للقراءة والتعلم والإبداع.
ومن قصر الثقافة بود مدني، حيث تتجدد اليوم علاقة القارئ بالكتاب، تبدأ صفحة جديدة من صفحات المشهد الثقافي بولاية الجزيرة، استعداداً لموسم ثقافي يأمل القائمون عليه أن يكون أكثر حضوراً واتساعاً، وأن يعيد للثقافة مكانتها باعتبارها جسراً للمعرفة، ونافذة للأمل، ومساحة تجمع الناس حول الكلمة والفكر والإبداع.