من بين ركام الحرب ونهب المليشيا، تخرج إذاعة ودمدني من جديد.. لا لتستعيد صوتها فقط، بل لتعلن أن المدينة التي حاولوا إسكاتها ما زالت حية.

«هنا ودمدني»..
جملة قصيرة، لكنها بالنسبة لأجيال من أبناء الجزيرة ليست مجرد افتتاحية إذاعية. إنها ذاكرة مدينة، ورائحة صباحات قديمة، وصوت ظل يسافر عبر الأثير إلى القرى والفرقان والحلال والمدن، يحمل أخبار الناس وأغنياتهم وحكاياتهم وأفراحهم وأحزانهم.
واليوم، تعود «هنا ودمدني» من جديد.
تعود بعد أن مرّت على مبناها يد الخراب، وبعد أن استباحتها مليشيا الجهل والسرقة، ونهبت ما طالته أيديها من معينات وأجهزة ومحتويات، وتركت وراءها مكاناً مثقلاً بآثار العبث.
لكنهم أخطأوا الحساب.
فالأمكنة التي تسكنها ذاكرة الناس لا تموت بسهولة.
ها هي أعمال إعادة التأهيل والصيانة تمضي، وها هي الإذاعة تستعيد ملامحها، وتسترد عافيتها، وتتهيأ للعودة بصورة أفضل مما كانت عليه قبل الحرب.
وهنا لا بد من رفع القبعة للعاملين بالإذاعة.
هؤلاء الذين لم ينتظروا اكتمال المبنى ولا وفرة المعينات حتى يؤدوا واجبهم. ظلوا يعملون في ظروف بالغة القسوة، ويكابدون نقص الإمكانات، ويبحثون عن كل وسيلة ممكنة حتى لا ينقطع صوت الإذاعة.
كان يمكن أن يصمتوا.. لكنهم لم يفعلوا.
كان يمكن أن يقولوا إن الظروف أقوى منهم.. لكنهم اختاروا أن يكونوا أقوى من الظروف.
ظل الأثير مفتوحاً، وظلت «ودمدني» تتحدث إلى أهلها، رغم أن أدوات العمل كانت شحيحة، ورغم أن الحرب أخذت الكثير من الأشياء.
واليوم، ها هو صبرهم يثمر ، وسوف يعود صوتها ليخترق الوجدان قبل الآذان.

(أنا ذلك الطفل الذي قال الحرية )
بالنسبة لي، فإن قصة «هنا ودمدني» ليست خبراً أتابعه من بعيد.
إنها جزء من سيرتي وذاكرتي.
مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كنت تلميذاً بمدرسة العشير الابتدائية، التي تحمل اليوم اسم عبدالله موسى، وتجاور مباني هيئةاذاعة وتلفزيون الجزيرة ،
وهناك سمعت للمرة الأولى تلك العبارة التي ظلت عالقة في الذاكرة
«هنا ودمدني»..
وأذكر جيداً أنني شاركت في الإذاعة بإحدى فقرات النثر بعنوان «الحرية»، وكان ذلك بترشيح من أستاذي الدكتور محمد الفاتح أبوعاقلة، حفظه الله ورعاه.
يومها لم أكن أدرك أن تلك المشاركة الصغيرة ستبقى في الذاكرة كل هذه العقود.
ولم أكن أعرف أن المكان الذي دخلته طفلاً سيصبح بعد سنوات جزءاً من قصة مدينة بأكملها.
اليوم، وأنا أرى الإذاعة تستعيد عافيتها، أعود بذاكرتي إلى ذلك الطفل وأقول له
نعم.. «هنا ودمدني» ما زالت هنا.
هنا ودمدني.. لم تعد عبارة
لقد تغيرت أشياء كثيرة.
الحرب غيّرت ملامح المدن، وأخذت أرواحاً وأحلاماً وأشياء لا تعوض.
لكن بعض الأشياء بقيت تقاوم.
وإذاعة ودمدني واحدة منها.
لذلك نستطيع اليوم أن نقول بثقة
«هنا ودمدني» أصبحت مبنى ومعنى.
مبنى يُعاد تأهيله بالحجر والمعدات والعمل.
ومعنى تعيده الذاكرة، وتحرسه أصوات العاملين، ويمنحه الناس شرعيته كلما جلسوا أمام أجهزة الراديو منتظرين ذلك الصوت الذي يعرفونه.

لكن فرحة العودة لا تكتمل دون أن نستدعي أسماء الذين غابوا.
هناك زملاء وزميلات أعزاء فرضوا محبتهم على الناس بطيب المعشر وحسن الخلق ودفء الحضور، ثم رحلوا عن هذه الفانية خلال فترة حرب الجزيرة.
ومن بينهم زميلي وصديقي علاء الدين علي محمد، والإذاعي الشامل، صاحب الصوت الفخيم والمحيا الحاضر، الصادق ساتي.
رحلوا، لكن أصواتهم وذكرياتهم لم ترحل.
والصادق ساتي تحديداً يستحق منا وقفة خاصة.
فالرجل لم يكن مجرد إذاعي يؤدي وظيفة، بل كان من أولئك الذين يتركون بصمتهم في المكان، ويصبح حضورهم جزءاً من ذاكرة المؤسسة.
وحقيق بإذاعة ودمدني أن تخلّد اسمه.
ليس كثيراً على الصادق ساتي أن يحمل أحد استديوهاتها اسمه.
بل أرى أن ذلك أقل ما يمكن تقديمه لرجل أعطى الإذاعة صوته وحضوره وعمره، ثم ترك خلفه محبة لا تموت.
الحرب سرقت أشياء.. لكنها لم تسرق الصوت
قد تسرق الحرب الأجهزة.
قد تحطم الأبواب والنوافذ.
قد تعبث بالمكاتب والاستديوهات.
وقد تنهب محتويات مؤسسة كاملة.
لكنها لا تستطيع أن تنهب ذاكرة الناس.
ولا تستطيع أن تسرق صوتاً عمره عقود.
ولا تستطيع أن تمحو عبارة ترسخت في وجدان أجيال
هنا ودمدني.
وهنا تحديداً تكمن قيمة هذه العودة.
فالإذاعة لا تعود وحدها.
تعود معها ودمدني.
تعود المدينة التي عاشت طويلاً على وقع صوتها.
تعود معها ذاكرة الصباحات القديمة، وأسماء المذيعين، ونشرات الأخبار، والبرامج، والأغنيات، ورسائل المستمعين، وصوت المؤذن، وضحكات الأطفال، وحكايات الناس.
تعود كل تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت في النهاية شيئاً كبيراً اسمه
إذاعة ودمدني.
إلى العاملين.. شكراً لأنكم لم تصمتوا
في زمن الحرب، هناك من يحمل السلاح، وهناك من يحمل الميكروفون.
وهناك معارك لا تقل أهمية عن غيرها، معارك الحفاظ على المؤسسات والذاكرة والهوية.
وأنتم، في إذاعة ودمدني، خضتم معركتكم بطريقتكم.
صبرتم ، كابدتم ،
عملتم بما تيسر.
وواصلتم البث حين كانت المعينات تقول لكم توقفوا.
واليوم، ها أنتم تحصدون ما زرعتموه بالصبر.
لقد انتصرتم للميكروفون على الخراب، وللصوت على الصمت، وللذاكرة على النسيان.
فطوبى لكم بهذه العودة.
وطوبى لودمدني التي ستستعيد صوتها.
وطوبى لأولئك الذين سيجلسون قريباً ليستمعوا من جديد ،
«هنا ودمدني»..
هذه المرة لن تكون مجرد عبارة تُقال في مقدمة برنامج.
ستكون صرخة مدينة تقول
أنا ما مت.. أنا راجع.
وما هي إلا متبقي ايام
ويخترق صوتها الوجدان قبل الآذان.
شكرا مثني وثلاث ورباع لحكومة ولاية الجزيرة وهي تدعم بسخاء وترعي وتتابع وتشرف وتنجز

هنا ودمدني.. من جديد.