من يمكّن الحرب في السودان؟
تحقيق استقصائي يتتبع شبكة الإسناد الخارجي للدعم السريع من الإمارات إلى مسارات العبور في المنطقة
الخرطوم – 4 سبتمبر 2026م
لم تعد الحرب في السودان تُقرأ فقط من مواقع الاشتباك أو من خطوط السيطرة على الأرض. فخلف البنادق والطائرات المسيّرة والمدفعية، تمتد شبكة أكثر تعقيداً من الشركات والوسطاء والمجنّدين ومسارات النقل والعبور، تعمل عبر حدود عدة دول لتوفير ما تحتاجه الحرب من مقاتلين وسلاح وذخائر وتدريب وخدمات لوجستية.
التقرير الأخير لبعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان يضع هذه الشبكة تحت المجهر، بعدما أشار إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن كيانات خاصة ووسطاء ومجنّدين يعملون من دول، من بينها الإمارات العربية المتحدة وكولومبيا، استخدموا نقاط عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتسهيل وصول الأفراد والتدريب والأسلحة والخدمات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع.
هنا يتغير السؤال.
فبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن الطرف الذي يطلق النار، يصبح السؤال: من يوفر القدرة على استمرار إطلاق النار؟ ومن يمول؟ ومن يجند؟ ومن يدرب؟ ومن ينقل؟ ومن يفتح طرق العبور؟
الإمارات.. من الاتهام إلى التوثيق الأممي
أهمية التقرير الأممي لا تنحصر في ذكر اسم الإمارات، وإنما في وضع كيانات ووسطاء يعملون منها ضمن صورة أوسع لشبكة إسناد عابرة للحدود.
وبحسب التقرير، فإن عمليات التجنيد والتدريب والنقل والإمداد لا تبدو، في الصورة التي رسمتها البعثة، عمليات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة تؤدي في نهايتها إلى توفير مقاتلين ومعدات ودعم لوجستي لقوات الدعم السريع.
ويقول محللون إن هذه النقطة تحديداً تمنح ملف الإسناد الخارجي بعداً جديداً؛ لأن التحقيق في المسؤولية لا يعود مقتصراً على معرفة مصدر السلاح، وإنما يمتد إلى البحث في الشركات والوسطاء والحسابات ومسارات النقل والأشخاص الذين تولوا كل حلقة من حلقات العملية.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تقارير وتحقيقات دولية سابقة تحدثت عن أدوار لشركات ووسطاء مقرهم الإمارات في عمليات مرتبطة بتجنيد مقاتلين أجانب، إلى جانب تقارير عن مقاتلين كولومبيين سابقين شاركوا إلى جانب قوات الدعم السريع، وبعضهم يمتلك خبرات في تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية والأسلحة المتطورة.
تشاد.. الطريق الأقصر إلى دارفور
إذا كانت الإمارات تظهر في بعض التقارير باعتبارها مركزاً للشركات والوسطاء، فإن الجغرافيا تجعل من تشاد حلقة مختلفة في السلسلة.
فالحدود الطويلة مع السودان، والقرب المباشر من إقليم دارفور، يجعلان الأراضي التشادية ذات أهمية استثنائية في حركة الأفراد والمعدات والإمدادات.
ويشير تقرير بعثة تقصي الحقائق إلى استخدام نقاط عبور في تشاد ضمن الشبكات التي سهّلت وصول الأفراد والأسلحة والخدمات اللوجستية إلى قوات الدعم السريع.
كما تحدثت تحقيقات صحفية عن حركة طائرات شحن من نجامينا باتجاه مراكز لوجستية مرتبطة بالحرب، من بينها الكفرة في ليبيا ونيالا في دارفور.
وبالنسبة للمحققين، فإن أهمية هذه الحركة لا تكمن في رحلة جوية منفردة، وإنما في السؤال الأوسع: ماذا تحمل هذه الطائرات؟ ومن يملكها؟ ومن يمولها؟ ومن يتولى حمولتها وتأمين مسارها؟ وإلى أين تذهب بعد هبوطها؟
الكفرة.. الحلقة التي تربط ليبيا بدارفور
على الجانب الآخر من الحدود، تظهر منطقة الكفرة في جنوب شرق ليبيا كإحدى النقاط الأكثر أهمية في مسارات الإمداد المرتبطة بالحرب.
وتشير تقارير أممية سابقة إلى استخدام مواقع داخل ليبيا كنقاط عبور للمقاتلين الأجانب، إلى جانب نقل الوقود وقطع غيار المركبات وتسهيل وصول مقاتلين إلى قوات الدعم السريع.
كما تحدثت تقارير وتحقيقات عن البيئة اللوجستية التي وفرتها مناطق شرق ليبيا، في ظل العلاقات الإقليمية الوثيقة التي تربط القوى المسيطرة هناك بالإمارات.
وهنا تتقاطع ثلاثة عناصر: الحدود، والنفوذ، واللوجستيات.
فمن الكفرة يمكن أن تتجه الحركة جنوباً نحو تشاد ودارفور، بينما تتيح شبكة الطرق والمطارات والمواقع العسكرية واللوجستية في المنطقة إمكانات أوسع لنقل الأفراد والمعدات.
ولهذا يرى محللون أن فهم مسار الحرب في دارفور يتطلب النظر إلى ما وراء الحدود السودانية، وتحديداً إلى البنية اللوجستية التي تسمح بتحريك الموارد والأفراد عبرها.
بوصاصو.. المسار البحري والقرن الأفريقي
لا تتوقف الصورة عند ليبيا وتشاد.
فالتقرير الأممي يضع بوصاصو في الصومال ضمن نقاط العبور التي استخدمتها الشبكات العابرة للحدود لتسهيل نقل الأفراد والتدريب والأسلحة والخدمات اللوجستية.
ويعني ذلك أن شبكة الإسناد، وفق ما ورد في التقرير، تمتد إلى القرن الأفريقي، ما يجعل الحرب السودانية مرتبطة بمسارات إقليمية تتجاوز الحدود البرية المباشرة للسودان.
وبذلك تظهر أمام المحققين خريطة أكثر اتساعاً: مراكز للشركات والوسطاء، نقاط للتجنيد والتدريب، ممرات جوية وبرية، ومواقع عبور يمكن أن تنتقل من خلالها الموارد باتجاه مناطق القتال.
من المقاتل إلى الطائرة المسيّرة
لكن الإسناد الخارجي لا يتعلق فقط بالمقاتلين.
فالحرب السودانية شهدت توسعاً كبيراً في استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى والتقنيات العسكرية الحديثة، وهو ما يجعل سؤال التكنولوجيا والمعدات جزءاً أساسياً من التحقيق في مصادر الدعم.
ويثير ذلك تساؤلات حول كيفية وصول هذه المعدات إلى ساحات القتال، ومن يوفرها، ومن يتولى تدريب المستخدمين عليها، وما هي الشركات أو الوسطاء الذين يمكن أن يكونوا جزءاً من سلسلة التوريد.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما ترتبط العمليات العسكرية باستهداف منشآت وبنى تحتية مدنية، بينها مرافق الكهرباء والمياه والمنشآت الصحية، وفق ما ورد في تقارير وشهادات بشأن الحرب.
الفاشر وزمزم.. عندما تتحول شبكة الإسناد إلى نتائج على الأرض
تكتسب قضية الإسناد الخارجي أهمية أكبر عند ربطها بالوقائع التي شهدتها دارفور.
ففي سياق تقرير بعثة تقصي الحقائق، أشارت عضو البعثة منى رشماوي إلى أن الدعم الذي تلقته قوات الدعم السريع أسهم في عملياتها في مخيم زمزم وخلال سيطرتها على مدينة الفاشر.
ووثقت البعثة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجرائم دولية، بما في ذلك أفعال قالت إنها تحمل سمات الإبادة الجماعية.
وهنا تبرز واحدة من أهم حلقات التحقيق:
إذا كانت الأسلحة والمقاتلون والمعدات قد عبرت عدة حدود قبل الوصول إلى مناطق القتال، فهل يمكن فصل المسؤولية عن الجهة التي نفذت الانتهاك عن الجهات التي ساعدت في توفير القدرة على ارتكابه؟
من نفذ الجريمة؟ ومن صنع القدرة على ارتكابها؟
هذه هي النقطة التي يمكن أن تنقل ملف الإسناد الخارجي من السجال السياسي إلى المساءلة القانونية.
فالتحقيق في الجرائم الدولية لا يتوقف بالضرورة عند الشخص الذي نفذ الفعل بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن يمتد، وفق قواعد المسؤولية القانونية الدولية، إلى من أمر أو موّل أو سلّح أو ساعد أو سهّل ارتكاب الجريمة، متى توافرت الأدلة والشروط القانونية اللازمة.
ومن هنا تتفرع أسئلة التحقيق:
من موّل عمليات التجنيد؟
من دفع تكاليف نقل المقاتلين؟
من وفر التدريب؟
من اشترى المعدات؟
من تولى نقل الأسلحة؟
من أدار الرحلات الجوية؟
من وفر الوقود وقطع الغيار؟
من أتاح مسارات العبور؟
ومن كانت لديه المعرفة باستخدام هذه الموارد في ارتكاب الانتهاكات؟
ماذا يعني ذكر الإمارات؟
يقول محللون إن ذكر الإمارات في التقرير الأممي يمثل تطوراً مهماً، لكنه لا يعني، بذاته، ثبوت المسؤولية الجنائية لدولة الإمارات أو لكل شركة أو شخص يعمل داخل أراضيها.
فالمرحلة الحاسمة، من منظور قانوني، هي تحويل المؤشرات والوقائع الموثقة إلى أدلة قابلة للفحص والتحقيق والمساءلة.
وهذا يفرض على الجهات الدولية المختصة تتبع الأسماء والشركات والرحلات والحسابات والعقود ومسارات الأموال، وربطها زمنياً وجغرافياً بالعمليات العسكرية والانتهاكات التي وقعت على الأرض.
من شبكة الدعم إلى شبكة المسؤولية
المشهد الذي ترسمه التقارير المختلفة يبدو، وفق المحللين، أقرب إلى شبكة ذات وظائف متعددة:
الإمارات: مركز محتمل للشركات والوسطاء والتمويل والتجنيد، وفق ما ورد في تقارير وتحقيقات دولية.
تشاد: ممر جغرافي ولوجستي باتجاه دارفور.
شرق ليبيا والكفرة: مسار خلفي لحركة المقاتلين والمعدات والإمدادات.
القرن الأفريقي: مسارات إضافية محتملة لحركة الأفراد والمعدات.
كولومبيا: مصدر محتمل لمقاتلين أجانب ذوي خبرات عسكرية، وفق تقارير وتحقيقات دولية.
غير أن هذه الخريطة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق المستقل، وربط كل حلقة منها بأدلة قابلة للفحص.
ماذا بعد التقرير الأممي؟
التحدي الآن لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك شبكة إسناد خارجية، وإنما بقدرة المجتمع الدولي على تحديد مكوناتها ومسؤوليات أطرافها.
فإذا تحولت التقارير إلى تحقيقات متخصصة، يمكن أن تبدأ عملية تتبع مختلفة: الشركات، الوسطاء، الرحلات، العقود، الحسابات، نقاط العبور، ومصادر المعدات.
وإذا ثبتت الصلات القانونية المطلوبة، فإن الملف قد ينتقل من الاتهامات السياسية إلى إجراءات تتعلق بالعقوبات والملاحقة والمساءلة.
أما إذا بقيت المعلومات في إطار التقارير والتصريحات دون تحقيقات عملية، فإن الشبكات التي تمد الحرب بالموارد ستظل قادرة على إعادة تشكيل نفسها وفتح مسارات جديدة.
الخلاصة
الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع بين طرفين داخل حدود دولة واحدة.
فوراء خطوط القتال، تكشف التقارير عن شبكة إقليمية عابرة للحدود تتداخل فيها المال والأسلحة والمقاتلون والتكنولوجيا والنقل واللوجستيات.
وتسمية الإمارات ضمن الدول التي تعمل منها كيانات ووسطاء ومجنّدون مرتبطون بهذه الشبكات تجعل السؤال أكثر إلحاحاً، لكنها تجعل عبء الإثبات أكبر أيضاً.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى مزيد من الاتهامات فقط، وإنما إلى أدلة، وتحقيقات، وتتبع مالي ولوجستي، وربط واضح بين شبكات الإسناد والجرائم التي وقعت على الأرض.
تحقيق استقصائي أممي.. يتتبع شبكة الإسناد الخارجي للدعم السريع من الإمارات إلى مسارات العبور في المنطقة